أبي منصور الماتريدي

471

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ ، قيل : يقبل . ويشبه إضافة الأخذ إلى نفسه إضافته إلى رسوله بقوله : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً [ التوبة : 103 ] ، وذلك كثير في القرآن « 1 » . وقوله - عزّ وجل - : وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ قال أبو بكر الأصم : التواب هو صفة العافي ، وهو اسم للتائب . والتواب عندنا : هو الموفق للتوبة « 2 » . ثم الكافر إذا أسلم وتاب لم يلزم مع التوبة كفارة أخرى سوى التوبة ، وإن كان ارتكب مساوئ وفواحش سوى الشرك والكفر ، والمسلم إذا ارتكب مساوئ لزمته التوبة والكفارة جميعا ؛ وذلك لأن المسلم لما أسلم اعتقد حفظ ما لزمه من الشرائع ، فإذا ارتكب ما ذكرنا خرج [ عن ] شرائعه وأدخل نقصانا فيما اعتقد حفظه ، فإذا ترك حفظه وأدخل « 3 » فيه النقصان ، لزمته الكفارة يجبر بها النقصان الذي أدخل فيه ، وأما الكافر فليس عليه شيء من الشرائع ، إنما عليه أن يتوب عن الشرك ويأتي بالإيمان ؛ لذلك افترقا . وقوله - عزّ وجل - : وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ اختلف فيه : قال بعضهم : ذلك في الذين كانوا تخلفوا عن تبوك ، ثم ندموا وتابوا عن ذلك ، فتاب الله عليهم ؛ يقول : اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ، أي : إن عدتم إلى ما عنه تبتم - وهو التخلف - يطلع الله رسوله والمؤمنون على ذلك وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ [ أي : تردون إلى ما أعد لكم في عالم الغيب والشهادة ] « 4 » .

--> ( 1 ) الضمير في ( يعلموا ) للمتوب عليهم ، فيكون ذكر قبول توبتهم ، مع أنه تقدم ما يشير إليه ، تحقيقا لما سبق من قبول توبتهم ، وتطهير الصدقة وتزكيتها لهم ؛ وتقريرا لذلك ، وتوطينا لقلوبهم ببيان أن المتولي لقبول توبتهم ، وأخذ صدقاتهم هو الله سبحانه ، وإن أسند الأخذ والتطهير والتزكية إليه ، عليه الصلاة والسلام . قال أبو مسلم : المقصود من الاستفهام التقرير في النفس . ومن عادة العرب ، في إيهام المخاطب وإزالة الشك عنه ، أن يقولوا : أما علمت أن من علمك يجب عليك خدمته ؟ أما علمت أن من أحسن إليك يجب عليك شكره ؟ فبشر تعالى هؤلاء التائبين بقبول توبتهم وصدقاتهم . انتهى . وجوز عود الضمير لغيرهم من المنافقين فالاستفهام توبيخ وتقريع لهم على عدم التوبة وترغيب فيها ، وإزالة لما يظنون من عدم قبولها . وقرئ بالتاء ، وهو على الأول ، التفات ، وعلى الثاني بتقدير ( قل ) ، ويجوز أن يكون الضمير للمنافقين والتائبين معا ، للتمكن والتخصيص . ينظر : تفسير القاسمي ( 8 / 315 - 316 ) . ( 2 ) أي الرجاع الذي يرجع بفضله على عباده إذا تابوا إليه من المعاصي . ينظر نشر الطوالع ( ص 328 ) . ( 3 ) في ب : فأدخل . ( 4 ) سقط في أ .